Fouad Dahdouh

 

وجوه بوصفها أثراً معمارياً

-       تأملات -

     لاحظت لوحتين – رأسين – لهما نفاذٌ عجيبٌ، يبدوان كأنهما يسيران.. ولا يكفّان قط عن السير نحوي، من عمق لوحة أجهله، ولن يتوقف عن إرسال هذا الوجه القاطع.

جان جينيه - في مرسم جياكوميتي.

 

     هكذا بدا المشهد أمام الوجوه.

     يغادر الوجه شكله إلى تشكُّله من جديد، فقط، لأنه توقّف عن كونه هُويّة من لحمٍ ودمٍ، وبدأ في أن يُصبح مادةً وتجربةً وأثراً. يغادر حين تتفكَّك أو تتآكل الملامح، كعين غادرت اكتمالها فتحولت إلى خطٍ، وفمٍ فقد طبقات شغفه فأصبح شقَّاً، وأنفٍ مُهشَّمٍ فصار بقايا. يغادر حين تدخل المادة في تكوينه: "الرولييف" - هذه التقنية التي تجعل الوجه شيئاً له أبعاد ووزن وسماكة وظل. يغادر، حين يصبح الغياب جزءاً منه، فيغدو النقصان علامة دالَّة عليه. يغادر حين يتحول اللون من وصفٍ إلى أثرِ احتراقٍ أو رطوبةٍ أو طبقةٍ زمنيةٍ فوق طبقة. يغادر ويغادر.. حين يصبح الوجه عمارة مُتصدعة أو منهارة، ويغادر نهائياً أمام الذي حدث لهذا السطح!

     هكذا..

     ثمة لحظات، وما أكثرها، يصبح فيها الوجه شيئاً آخر غير ذاته، بحيث لا يعود مساحة للتعرّف، ولا مرآة مباشرة للشخص، ولا سطحاً تنتظم فوقه أجزاؤه لكي تقول: هذا هو الإنسان. يبدأ الوجه، بدلاً من ذلك، في فقدان طبيعته المألوفة، ويتحول إلى سطح كثيف، إلى كتلة وتضاريس صغيرة تتجاور فيها النتوءات والمنحنيات والشقوق والفراغات.

     في تلك اللحظة تحديداً يبدأ التصوير مهمَّته، لا يمشي – رسماً - في واقعية الوجوه، بل يمشي بأقدار الوجه. ليس لأن الوجه قد تشوّه، بل لأن التشويه حرّره من وظيفته القديمة. حين تتفكك الملامح، يتراجع صاحب الوجه كثيراً، وتتقدم المادة، يصبح السؤال أقل وطأة بمن يمثله الوجه، وأشد وطأة بما حدث لسطحه، وجهٌ رَهَنَ نفسه لأسئلة الزمن وتغوُّله: ما الذي حدث له؟ ما الذي ضغطه؟ ما الذي محاه؟ ما الذي بقي منه؟ وما الذي ظل عالقاً فيه بعد أن غابت الصورة التي كانت تمنحه اسمه ورسمه؟

     هنا يمكن القول إن الوجه فَقَدَ صلاحيته يوم ضاعت معالمه، لا لنعتمد على الذاكرة التي اختلقناها من واقع يقع خارجنا، بل على جدارٍ قديمٍ ومتصدِّعٍ، نتخيَّل أنَّنا بالنظر إليه ننظر إلى الوجه الذي يكمن خرابه فينا، لأنه يسكننا.

     فأي تعويلٍ على الهندسة الأولى للجدار؟ وحده التعويل على الزمن الذي عَبَرَهُ. نقرأ، في مسيرة اغترابنا، طبقات اللون الموشَّحة، الخدوش الظامئة، الثقوب المُعتمة، الانكسارات التي نستجديها كي تُمهلنا لحظة تُمكِّننا من أن نخلو لأنفسنا، والمواضع التي انكشف فيها ما كان تحت السطح. الجدار لا يعود مجرد جدار، بل ذاكرة مختلفة نلناها على سبيل المجاز من فرط نسيان الخراب الذي يتلهّى خارج الإطار.

     والوجه يمكن أن يصبح أثراً معمارياً، ليستفز فينا نداء البعيد، فلا يبقى في المساحات المطمورة تحت المادة واللون سوى الخفقان المولع بكل لمسة مكسوَّة بالضوء. كما لا يعني أن الوجه يشبه بناءً من الخارج أو من الداخل، بل طريقة وجوده في اللوحة تتغير: من صورة لإنسان "كان" إلى مكانٍ مرّت به الأشياء، وأي أشياء! كأن هذه التكوينات "الوجهية" الممسوحة، المرادفة للمحو في كل شيء، صامتة داخل الإطار طَمَعَاً في أن يخلِّصها البُعد الجمالي من لعنة التَّشوُّه، والدليلُ الخفقان المولع من وقْع البُقَع المُضيئة حيث يهتدي به المتلقي، فتغيب كل الأشياء في كلمة واحدة: الجمال.

     ربما لا توجد استعارة أقرب إلى هذا التَّصَوُّر من فكرة المكان الأليف، أي البيت: المأوى، الركن الأول في العالم، ومستودع الذاكرة. البيت يحفظ أثر الذين سكنوه حتى بعد رحيلهم، والبيت في عتمات الخراب يعزي عزلتنا.

     لكن ما وجه الشبه بين الوجه والبيت؟

     في اللوحة، مع المادة واللون والإطار والسكين، وطريقة البناء، يفعل الوجه، بإسهاب، شيئاً مماثلاً، إذ أن الإنسان لا يسكن وجهه كما يسكن البيت، لكنه يحمل فيه حضوره إلى العالم. الوجه هو الواجهة الأولى التي تفيض منها الهُويَّة، هو الخط الذي يعبر عليه الإنسان نحو الآخر. فيه تتداخل خرائط الزمن، العزلة، التعب، الوجدان، الهشاشة، الخوف، الابتسامة الخفيفة، الصمت، الفَقْد، الرغبة، الانتظار، والروح. كل ذلك تجاوزٌ لشكلٍ بيولوجيٍّ إلى مكانٍ يسكنُ كلاً منا، لأنه هاجس تتكثف فيه علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.

     لهذا قد يمكن الاكتفاء بنعت الوجه بالبيت: بيتاً للهوية الحميمة: لأن الوجه عندما يتشقق، أو ينطمس، أو ينفتح إلى فراغ، فهذا يعني أن هناك شيئاً من هذا البيت نفسه قد تَصَدَّعَ.

     من هنا تكتسب الوجوه البارزة في الرولييف معناها وشبهها بالبيت، فالوجه لا يُضاف إلى سطح اللوحة كصورة، بل يخرج منه كأنه بناء صغير، بحيث يصبح له أساس، وجدار، وكتلة، وحافة، وعمق، وشق، وخدش، ثم يمكن لهذا المسكن الأليف أن يتعرض للضغط والانهيار والمحو.

     كأن الفنان لا يرسم وجهاً مهدّماً، بل يبني وجهاً لكي يتركه عرضة للخراب!

     قد يقال إن الوجه الكامل يُطَمْئِنُنا، ونستطيع أن نتعرف إليه، ونُسمِّيه، ونربطه بصاحبه، وقد يقال، أيضاً، إن الوجه الذي فَقَدَ اكتماله يضع المتلقي أمام شيء أكثر غموضاً: بقايا حضور.

     حفرة بسيطة تكفي مكان العين لكي تكشف أنَّ عيناً كانت هنا أو هناك، وقد يبقى جزء من الجبهة أو العنق، فيعمل مثل قطعة من أطلال في عزيف الفراغ لتجعل الغياب مرئياً.. وهكذا، حتى يُصبح ما يُرسم أو يُنحَت جزءاً من الرسم أو النحت، وما لم يُرسم أو يُنحَت جزءاً من أثرٍ وغياب.

     والانهيار، في حِلْفِهِ مع السكون، عنصر عنيف من عناصر التشكيل. الانهيار الذي يسكن المتلقي الآن يضاعف نزعته الدرامية، وهو بالطبع هزيمة مريرة لوجه استحال وجوده في زمن آمن، ذلك أنه لم يتخيل كم سيكون معزولاً ومهجوراً وخاوياً كمدينة خاوية على عروشها.

     إذا كان الفراغ لا يعني نقصاً في اللوحة، بل مادة أخرى فيها، وإذا كانت الحفرة مكاناً يتجمَّع فيه الظل، وإذا كان الشق حُطاماً مُنبثقاً من المادة نفسها، فإن الانهيار ليس عيباً في التكوين، بل عنصرٌ فعالٌ في التكوين، وصدَّقهُ في الحساسية الجديدة: الجمال.

     لهذا لا يعود العمل بحثاً عن وجه مُكتمل، وإنما عمّا يبقى من الوجه حين يفقد اكتماله. إنه انتقال من رسم البورتريه ونحته إلى رسم الأثر ونحته.

     وحده يصبح السطح مكاناً

     في الرسم ذي البعدين، يمكن تمثيل الانهيار، وبالتالي، رسم جدارٍ مُتصدعٍ، أو بيتٍ مُهدّمٍ، أو مدينة مُدمرة، لكن بـ "الرولييف" ثمة شيءٌ مختلفٌ: يحدث الانهيار في المادة نفسها.

     "لنفكر رسماً"، على حد تعبير سيزان:

     حين يبرز الوجه عن السطح، يصبح للسِّمةِ وزن، وللجبهة كتلة، وللأنف بروز، وللعين حفرة، وتفاصيل أخرى تتشقق لتصبح محسوسة.

     الوجه يتحول إلى لوحة، واللوحة أقرب إلى جدار، والجدار هو المكان الذي يحدث فيه كل شيء: الذاكرة، المحو، الزمن، العنف، النسيان. كل طبقة تضيفها اليد تخفي شيئاً تحتها، لكنها لا تضمن اختفاءه، قد يبقى اللون العتيق عند الحافة، وقد يظهر جزء من مادة سابقة داخل الشق، وقد يكشف الخدش عن طبقة أقدم وأبعد، وهكذا حتى يصبح السطح الحامل سجلاً أصابه التلف، لكنه يحفظ ماضيه بطريقة أشدّ غموضاً: بقايا ملونة يأتي من داخل الخراب

     في هذه الأعمال "الوجهية" لا يكون اللون غطاءً للوجه، بل جزءاً من تاريخه، حيث يتجمع اللون في الشقوق، ويخفُّ فوق النتوءات، وينقطع عند الكسور، وكثيراً ما يتحول اللون إلى غبار، صدأ، احتراق، ضوء أزرق عالق في مكان ما من أعلى المساحة الرطبة.

     فهل يمكن القول إن اللون أصبح قرين الزمن، ودليلاً أن حدثاً جرى في المادة؟

     لنتأمل، أكثر،

     الرولييف - وهو أكثر من تقنية - يجعل المُشاهد أمام شيء له من الثِّقَلِ ما لا يمكن اختزاله أو تبسيطه، رغم الاختزال والتبسيط: سطحٌ له سماكة، وتضاريس، وظل، ومقاومة للضوء حين يسقط على الأجزاء النافرة من الملامح فتتغير، ومع كل تغيُّرٍ في زاوية النظر تظهر أجزاء وتختفي أخرى، وهنا، فقط، يصبح الوجه غير ثابت حتى وهو ثابتٌ مادياً.

     إنه وجه يتغير مثل الذاكرة، والمفارقة أن العين الغائبة قد تكون أكثر حضوراً من العين التي كانت.. لذا لا يبدو أن الفراغ مجرد فراغ، وحده التَّخيُّل يُعيدُ ما كان ينبغي أن يكون الوجه عليه.

     وهنا يعمل الغياب مثل الصورة، ومثل الخراب بوصفه لغة.

     هل نحتاج إلى رسم بيتٍ مُدمَّرٍ كي نتحدث عن الانهيار؟ لا، يكفي أن يتعلم الوجه كيف ينهار. هل نحتاج إلى رسم مدينة مفقودة كي نتحدث عن الغياب، لا، يمكن للملامح نفسها أن تتحول إلى مدينة لا يمكن السكن فيها. هل نحتاج إلى الرسم من الذاكرة؟ ربما يكفي أن نضع طبقة فوق طبقة، وأن نترك جزءاً من القديم يخفق مِن تحت الجديد. وهل نحتاج إلى رسم النسيان؟ لا تُحدِّد الشكل، دع الشكل يحددك، ولا ترسم العيون، اترك مكانها حفرة تتناثر عليها البيوت والأزقة والأفق.

     الفكرة لا تنطق إلا بتقنية.

     الرولييف وسيلة لجعل الوجه يحمل تاريخاً مادياً، محاولة لا لاستعادة الوجه كما كان، بل للإصغاء إلى ما بقي منه.. حين ننظر إلى مدينة مُهَدَّمة من بعيد، تبدو كأنها وجوه فوق وجوه، وحين ننظر إلى الوجوه عن قرب، تبدو كأنها محاطة بأطلال، وما بقي منها أبوابٌ ونوافذ مفتوحة للجميع.

     بيت. هدم. ذاكرة. طبقات. كشف. محو. خراب. لون. فراغ. شكل. كتلة. تكوين. خط: عموديٍّ، مُنكسرٍ، مُنحنٍ.. مسافة. حفرة. جمال. ما كان. تحت السطح.. كلها "وجوه بوصفها أثراً معمارياً".

     وجوه جديرة بالتأمل، ليس لأنها مشوهة، ولا لأنها وصفة جاهزة عن الخراب. فقط، لرؤية الإنسان من خلال مادته حين تتعرض للتصدع. أن يتحول الوجه إلى مرآة، والمرآة إلى جدار، والجدار إلى أطلال، والأطلال إلى أثر.

     في لحظة، عندما توقف الوجه عن قول "أنا"، بدا كأنه يقول: "كنت هنا"

     عبارة، بكل ما فيها من غياب، هي أبسط ما يمكن أن تبقى عليه اللوحة.

     مشت عيناه إلى النافذة أكثر، إلى الزُّلفة التي تلي الغروب، وكتب:

     أعرف الوجه، لا أكتب فوقه، أتركه لكلماته.

     .. فقط،

     أيُّ استحقاقٍ وجوديٍّ للحياة؟!

     لِمَ السؤال؟

     كي لا تبقى الوجوه بعيدة، كي تُطوى المسافات بين العين والعين، كي لا يبقى الوجود بعيداً.

 

محي الدين ملك

Share