Fouad Dahdouh
15/09/2026
طين يغار من نسمة الجنوب
يقف فؤاد دحدوح في منطقة حرجة بين العقل والعبث. ولا يعرف المراقب أين تبدأ حساباته للبناء وتموضعات الألوان، ولا أين ينتهي عبثه بضرب كل ذلك عرض الحائط!
تخرّج دحدوح من كلية الفنون الجميلة بدمشق، ثمّ ذهب إلى بولونيا لمتابعة دراسته. لم يتعلم هناك شيئاً، فقد كانت قدراته قد تأسست جيداً في دمشق، ولكن هناك تفتحت عيونه على فنون العالم، على غناه وتنوعاته وتضارب تجارب فنانيه. فتح له السفر أبواب العالم. لذا عندما عاد، عاد دحدوحاً جديداً! السفر ليس انتقالاً جغرافياً؛ إنه جدل مؤلم بين الذات والآخر.
ينجز فؤاد منحوتاته البارزة الكبيرة بسرعة، كأنه يخشى أن تفلت منه أية لحظة توهج، أو أي ارتجال يطرأ للحظة ثم تأكله لحظة تالية. يعمل في نحته كوحش يريد أن يأكل المساحة، لا أن يضبطه العقل. غير أننا عند التبصر نرى أنه عندما ينجز قطعة تعبيرية جديدة لا يخشى أن تقوده العواطف إلى القسوة أو إلى الركاكة، ذلك أن أصابعه تدربت على الصراخ في سماء المساحة دون أن تفقد الإمساك برسن الحصان.
لا يبتعد في لوحاته عن ذلك، تعطيه قماشة اللوحة حرية التجول بين النساء والطبيعة، وارتجالات الألوان التي لا نعرف إلى أين تقوده، وغالباً لا يعرف هو نفسه إلى أين تقوده. يرمي نفسه في لجة الألوان ويروح يخبط بيديه سباحةً وعوماً وغرقاً إلى أن تخرج اللوحة درةً من البهاء.
يحار المرء كيف يصنف دحدوح: هل هو رسام؟ أم ملون؟ أم الاثنان معاً؟ ولكن ما لا نحتار فيه هو معرفتنا أن الموهبة هي التي تقوده دائماً. وهو كالأعمى السائر في مجاهل الحياة! يتعثر بها من وقت لوقت، ولكن أمام كتل الطين وتحديات الألوان يظل واقفًا بثقة العارف، وشغف الطفل الذي لا يموت في قلبه.
يوسف عبدلكي











