Sketches Exhibition

معرض الرائدين "أدهم ونعيم إسماعيل" في غاليري دمشق ..
كنوز نادرة توضع ألول مرة تحت دائرة الضوء ..
أديب مخزوم ـ24أيار2024


أفتتح معرض (الفنانين الرائدين أدهم ونعيم إسماعيل) في غاليري دمشق برعاية وحضور الدكتورة لبانة مشوح وزيرة الثقافة، ( والمعرض مستمر في الغاليري الواقعة في القصاع ـ برج الروس ) وهو يتضمن (44دراسة ألدهم، و141دراسة لنعيم ـ وهي متنوعة في مواضيعها وتقنياتها ( حبر صيني ، رصاص ، فحم ، مائي وغيرها ) ولوحتان زيتيتان ، واحدة ألدهم وهي إحدى أشهر لوحاته ، ولوحة لنعيم، ومنحوتتان ورسائل متبادلة بين أدهم ونعيم، وصور فوتوغرافية أصلية لهما ، ولقد حضر اإلفتتاح ( ابن وإبنة نعيم إسماعيل ريعان وهيمى ) ، وبالمناسبة كان الفنان الراحل عزيز إسماعيل شقيق أدهم ونعيم ، قد أخبرني في جلسة حوار معه : أن أدهم لم يتزوج ..

وخالل تجوالي على أعمال المعرض كنت أبحث عن نقاط االلتقاء واالفتراق بين الفنانين األخوين الرائدين، فوجدت أن طغيان العناصر التراثية الزخرفية تميز أعمال نعيم إسماعيل ، أما أدهم فيتميز بانسيابية الخط الدي النهاية له ، في التواءاته وليونته وتداخالته ، ومن خالل العناصر والمواضيع المختلفة كرس كل منهما اسلوب شخصي خاص به ، وهنا نجد نقاط اإلفتراق ، التي تكمن في مدى القدرة التي حققها كل منهما في خطوات تأكيد خصوصيته اإلسلوبية البعيدة عن أساليب الرواد اآلخرين .وبداية أشير إلى أن أدهم ونعيم إسماعيل ، رحل كل منهما، وهو في أوج الشباب والعطاء اإلبداعي ، وهما من أعمدة وأركان الحداثة التشكيلية، وكانا أثنين من ثمانية فقط خصصت لكل واحد منهما أربع صفحات في كتابي النقدي والمرجعي والموسوعي (تيارات الحداثة في التشكيل السوري ) والذي وثقت فيه لمئة سنة من التشكيل السوري الحديث والمعاصر، فهما من الجيل األول ، الذي كرس مظاهر الحداثة في التشكيل السوري منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، وليسوا من الرعيل األول الذي توقف عند المشاهد الواقعية والتسجيلية قبل ظهور اإلنطباعية السورية وما جاء بعدها . وهذا يعني أن رسوماتهما ودراستهما ( إضافة لوجود لوحة زيتية لكل منهما ، فيها نبض االختزال واالختصار، وهكذا نجد أن أعمالهما في هذا المعرض، أستنطقت العناصر الحضارية والمشاهد الواقعية وقدمتها برؤية جديدة مفتوحة على ثقافة فنون القرن العشرين . وعملت على تدعيم أواصر العالقة بين الماضي والحاضر وبين الشرق والغرب.

وبعض الرسومات المعروضة ارتبطت بااللتزام بقضية االنسان المصيرية ( وخاصة بعض دراسات نعيم اسماعيل).ويشير العديد من الفنانين والنقاد إلى أهمية تجربة أدهم في إطالق موجة الحداثة في التشكيل السوري، حيث كان ومنذ أوائل الخمسينات، يرسم األشكال الطبيعية واإلنسانية ضمن مساحات تجريدية، وكان اهتمامه مركزا ً حول رحلة تشكيل إنسيابية الخط، على طريقة الخط الذي ال نهاية له ، وهذه الميزة تنسحب على دراساته المعروضة .
في25كانون أول من العام1963توفي أدهم اسماعيل، بعد ثالث سنوات من حيازته لجائزة بينالي االسكندرية. وقد كتب عنه كبار الفنانين والنقاد، وأطلق اسمه على مركز دمشق للفنون التشكيلية، تخليدا ً لذكراه، واعتبر منذ ذلك التاريخ كواحد منكبار رواد الحداثة في حركتنا التشكيلية السورية المعاصرة .
وبالرغم من ارتباط دراساته المعروضة بالقيم الجمالية الحديثة، فقد كان يتعاطف في أحيان كثيرة مع اإلنسان في معاناته اليومية، حيث جسد مختلف أجواء الحياة الريفية، والسيما ظروف العمل في الحقول. إضافة إلى تناوله لمواضيع الطفولة المعبّرة عن المأساة والمعاناة .. كل ذلك بصياغة فنية حديثة منفلتة من قيود الدراسة األكاديمية، للوصول إلى الصياغة الفنية في اتجاهاتها التعبيرية المغايرة لما تراه العين في األبعاد الثالثة.

ودراساته المعروضة توفق بين مظاهر الحد األدنى إلشارات األشكال اإلنسانية ( وال سيما المرأة ) والعناصر األخرى، وبين المقدرة على تجسيد األحاسيس الداخلية بالتعبير الخطي المتواصل دون انقطاع والذي يؤكد اسلوبه الشخصي، وهذه الطريقة التشكيلية المتطورة التي جسد من خاللها العناصر واألشكال فرضتها وبقوة ثقافة وفنون العصر، فقد ركز إلبراز الجوانبالجمالية والتشكيليةالخالصة، عبر مواضيع الوجوه والعاريات والرموز األخرى، التي عالجها بأسلوبية حديثة معبّرة عن جماليات االختزال واالختصار في االتجاهين التكويني والتلويني. هكذا تجاوز أدهم فناني جيله، حين أعطى أهمية كبرى لحركة الخط الالمتناهية المقروء في دراساته المعروضة ( وخاصة األجساد والوجوه )، كل ذلك في خطوات إظهار عناصر الجذب البصري، والتماس موسيقى الخطوط المنفتحة على طروحات الحداثة واألصالة في آن واحد.

وعلى الرغم من حياة نعيم القصيرة (1930-1979) ، شأنه شأن أدهم (1922ـ1963) ـ فقد ابدع مجموعة واسعة من األعمال , وكان بحق أحد القالئل الذين اعطوا الحركة الفنية السورية والعربية, في الستينات والسبعينات انطالقة رائدة ومميزة.

والمعروف انه ترعرع وسط أجواء مشجعة للفن واألدب , ( هو وأدهم أشقاء الكاتب صدقي إسماعيل والفنان عزيز اسماعيل) . وتميزت اعماله بشاعرية المشهد الريفي القادممن ايحاءات االحساس المتواصل بالبنى الزخرفية العربية, التي بقيت مطبوعة في مخيلته، وظاهرة في لوحاته حتى لحظة وفاته.ودراساته المعروضة، إضافة للوحته الزيتية تؤكد قبل أي شيء آخر, إهتمامه باحياء التراث الزخرفي, الذي جسد من خالله، مختلف أجواء الحياة الشعبية في القرى واألرياف المحلية, حيث المست يده ومخيلته األحالم الصافية ومظاهر وتقاليد تراثية معرضة للغياب واالندثار .وهكذا تلعب البنى الزخرفية في دراساته المعروضة ولوحاته دورها األساسي في تحريف االشكال. وبذلك حملت لوحاته ورسوماته ودراساته هواجس ايجاد لغة جديدة, غاصت في مسائل اظهار الجماليات الحديثة, من خالل الحفاظ على تأليفات توحي بالتشكيل الهندسي والتكعيبي احيانا وبالبناء المتماسك , ولقد عمل على تفتيت التناظر المتواجد في الزخرفة التقليدية ، حيث أهتم باستعادة روح التراث الزخرفي، وليس مظهره الخارجي، ليؤكد مدى ارتباطه بالماضي الحضاري برؤية حديثة قادرة على االستمرار والتواصل في كل األزمنة واألمكنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- أديب مخزوم–فنان وناقد تشكيلي ومؤرخ موسيقي . عضو مؤسس فيجمعية النقاد والباحثين، المنبثقة عن إتحاد الفنانين
التشكيليين السوريين، ومؤلف كتاب (تيارات الحداثة في التشكيل السوري الذي صدر عام2010) ووثق فيه لمئة سنة من
الفن السوري الحديث والمعاصر .

Share