Land Icon Exhibition
في معرض "أيقونة األرض"بغاليريدمشق ..
لوحات قديمة ونادرة تعرض ألول مرة ..
ـــــــــــــــــــــ أديب مخزوم20كانون الثاني2024ـــــــــــــــــــــــــــــ
يشكل معرض (أيقونة األرض) المستمرفي غاليري دمشق ـ قصاع ـ برج الروس، عودة الى أرض الطفولة والذكريات واإلشارات التاريخية والميثولوجية والزخرفية، القادمة من مدن وأمكنة وأزمنةمختلفة ومتعاقبة، والمشرعة على احتماالت التدرج من بعض حاالت الدقة الواقعية ( لوحات: محمد الوهيبي وبهاء الدين البخاري ) مرورا ً باالنطباعية السورية ورائدها األول ميشيل كرشة ، وو صوال إلى أقصى حدود التعبير العفوي التجريدي المقروء في لوحة عمر حمدي، وفي حركة األشكال المختزلة والمختصرة والمبسطة الى حدود الغياب الكلي أو الجزئي ( لوحات: معظم الفنانين المشاركين ) ، والتي تمد جسورا ً نحو المستقبل ،لتقول ان الحياة باقية وسط ذاكرة األمكنة المتصدعة والمحترقة والمدمرة والمهجرة والمحاصرة . وهكذا تصبح اللوحة الفنية التشكيليةالحديثة، شبيهة بلحن موسيقي يخترق االمكنة المفتوحة على ظلمة سواد دخان جحيم الحرائق ، نحو األمكنة األكثر نورانية ، في محاولة إلزالة آثار الكوارث والمجازر الممتدة في عمق حياتنا الراهنة والمعاصرة .
--------- بعض رواد الحداثة التشكيلية --------
والمعرض يتضمنمجموعة من اللوحات القديمة والنادرة لبعض رواد الحداثة التشكيلية السورية ( من أمثال: نعيم إسماعيل ونذير نبعة وخزيمة علواني وممدوح قشالن وعبد المنان شما وبرهان كركوتلي ، إلى جانب إقبال قارصلي رائدة التشكيل النسائي السوري ) والتي تعرض وتوضع في دائرة الضوء اإلعالمي والنقدي ألول مرة، إضافة لمنحوتة الفنان والناقد محمود شاهين والنحات زكي سالم ورولييف عبد الحي مسلم .. وحركات ألوان لوحات المعرض تكشف على الصعيدين التشكيلي والتقني، عن تموجات المشاعر الفنية واألحاسيس الداخلية ، في خطوات البحث عن إيقاعات تشكيلية جديدة وخاصة بكل فنان على حدة، كل ذلك بلغة فنية بحتة، التقع في هاوية الخطاب التقريري واألدبي والسردي ، وانما تترك ألصداء الحوار التشكيلي البصري البحت، والمواضيع المختلفة، مساحة قصوى من الحرية التعبيرية والفنية والتقنية ضمن صياغة اسلوبية خاصة ( لوحات: أسماء فيومي ونزار صابور وعصام بدر ) . فعلى الصعيد التقني تبدأ معظم األعمال المعروضة، من منطلق التمرد والرفض ألسلوب الرسم التسجيلي الصريح، وتفتح أمدية داخلية في فراغ السطح التصويري ، بطريقة حفر طبقة اللون وتكثيفها في المساحة المرسومة ، حيث نجد العفوية والحرية التامة فيإبراز ضربات وطبقات اللون، في وقت تستطيع فيه معظم التجارب المحافظة على مساحات وحركات لونية أقل انفعالية وأكثر عقالنية ، عبر عناصر اإلنسان و الطبيعة والحيوان والتراث الزخرفي والشعبي والمعماري .
ــــــــــــــــــ المناخ اللوني والمرأة الرمز ــــــــــــ
ونجد في معظم األعمال المعروضة أجواء بصرية من نوع آخر، على األقل في تالفي طغيان أي جو لوني خارج عن إطار اللون، الذي تعرفه المدن والقرى واألمكنة السورية والعربية، على األقل في مجال القدرة على التعبير عن العناصر التاريخية والتراثية، مع المحافظة، على المناخ اللوني المحلي، الذي يلف الهضاب والسهول والمدى والطرقات والصخور واألحجار المحيطة بالبيوت الريفية البسيطة من الخارج، والعابقة بالمحبة واأللفة وتماسك العالقات العائلية من الداخل.حيث تعيد بعض األعمال المعروضة ، اكتشاف جمالية المشهد الريفي، الذي يبرز في أحيان كثيرة بصورة غرائبية مشحونة بالخيال والموسيقى والشعر. في خطوات البحث عن رؤى فنية تستفيد من كل المعطيات والجماليات واإلشارات الحضارية ، وتضفي على
اللوحة انفعالية مباشرة ، من خالل حركات الخطوط المتشابكة ( كما في لوحة عادل كامل، حيث غابت أغصان الكرمة وأوراقها التي ميزت لوحاته السابقة مند مشروع تخرجه من كلية الفنون الجميلة، غابت عن لوحته المعروضة أغصان وأوراق الكرمة، وبقيت حركتها الدالة عليها عبر حركات الخطوط السريعة والمتشابكة والتي تلتقي مع التجريد اإلنفعالي الحركي ) .
ونشاهد العناصر اإلنسانية والطبيعية والمعمارية واإلشارات المختلفة، قد ابتعدت عن المباشرة الخطابية، في تقديم الجو التشكيلي العفوي، القائم على ألوان هادئة ومتقاربة وغير صاخبة، أو محقونة من الداخل ، كما تبرز في بعض اللوحات مظاهر التنويع التقني " ميكست ميديا " للوصول إلى التأثيرات البصرية المطلوبة ، وبالتالي النفاذ إلى أبجدية تشكيلية ناتجة عن اختبارات تقنية خاصة، تبحث عن إيقاعات تعبيرية ورمزية في آن واحد. ونرى في بعض اللوحات ما يشبه التشكيالت الهندسية المبنية على عناصر عاطفية، ما يشبه المستطيالت والمربعات في خطوات تولييف عوالم البانوراما الحكائية األسطورية ، المقروءة في الهندسية التشكيلية اللونية ( لوحة عمر حمدي التجريدية فيها ما يشبه المستطيالت والمربعات ) .
وبعض اللوحات تجسد بتدرجات اللون الواحد ( الرمادي ) الشكل اإليضاحي المفهوم في مدلوالته البصرية المباشرة، والنابضة في أحيان كثيرة بحركة اللون العفوي،الذي يشكل ، في هذه المرحلة المتوترة بالذات، فسحة طمأنينة وتفاؤل، ويبدو اللون هنا بمثابة رمز لذاكرة المناخ المحلي واشارات الفولكلور (وال سيما في اللباس التقليدي) كما وجدنا بعض األعمال، التي تعتمد على التشكيل الحديث باستخدام التصوير وتقنياته الحديثة ( لوحة :نصوح زغلولة ) إضافة لوجود لوحة كاريكاتورية .
---------- مشاعر الغربة واإلقتالع ------------
وعلى هذا نجد معظم األعمال تخرج األشكال المرسومة من برودتها وقساوتها وتنقلها إلى التعبيرية المختزلة، لقول اإلنفعاالت واألحاسيس والمشاعرالداخلية العميقة . ويذكر أنلغة التلوين العفوي قد دخلت في نسيج وحياة الفنانين السوريين والفلسطينيين منذ أيام الطفولة األولى، ولهذا تحمل هذه المجموعة، نغم الشرق وإيقاع البيئة وزهوة اللون والنور .تلك كانت المحرضات األولى التي دفعتهن باتجاه مزاولة الرسم والتلوين، واالتجاه نحو تجسيد الوهج اللوني وكأنه جزء من العالم الروحاني األيقوني ( حتى إننا نرى في هذا المعرض أيقونة قديمة نادرة ) . ونجد في معظم اللوحات والمنحوتات المعروضة عناصرالمرأة الرمز، وخاصة في اللوحات المرتبطة بالقضية ( لوحات : مصطفى الحالج وغيره )، ، فالمرأة تتخذ كرمزلالرض والتاريخ والحضارة، مع اعطاء أهمية احيانا للزخرفة العربية .
كما نجد المساحات اللونية المعتمة تتداخل مع مساحات لونية مضاءة، تصل الى حدود البياض اللوني، ( الضوء هنا يرمز إلى الوالدة الجديدة ) وبذلك تتدرج الحالة اللونية ، من تلك الباهتة أو القاتمة، إلى أخرى تغلب عليها األلوان المشرقة، بحيث يبدو البياض ستارا ً شفافا ً أللوان أخرى مغطاة ومطلية به ( وخاصة في لوحة علي الكفري ) المرسومة على خلفية كوالجية مطبوعة ( صفحات من الجرائد) والتقنيات الحديثة تستخدم كوسيلة ألخراج الشكل من النمطية التسجيلية . ونجد تشكيالت تعبيريةحديثة بصياغة فنية رزينة، تهتم بإبراز تدرجات اللون والظل، وتصل حدود التتابع الرمزي الخيالي ، فاللوحة بالنسبة إليهن تبدو بمثابة محطة حوارية بين الماضي والحاضر، وثنائية التراث والمعاصرة ، حيث تستعيد هذه المحموعة الكثير من الرموز التاريخية واألسطورية والشعبية، المقروءة في األشكال اإلنسانية والحيوانية والتراثية واألثرية المحّورة والمختزلة بتلقائية شاعرية،والتي تضفي مناخية
لونية محددة في اللوحة الواحدة. وتبرز قيمة التشكيالت هنا في الحساسية المتمادية في االختزال إلى درجة تجاوز الشكل والتعبير عنه ببعض اإلشارات والرموز التاريخية األقرب إلى مشاعره وأحاسيسه الداخلية. فااللتفافات السريعة والسطوح المتنوعة التأثيرات والحساسيات ، هي أقرب إلى الحركة العاطفية من التموجات البطيئة والسطوح الناعمة والمنتظمة .
فالوجوه على سبيل المثال تقدم في احيان كثيرة بدون مالمح ، وهذا يؤكدوحشية وعزلة االنسان المعاصر , و مشاعر الوحدة والغربة واالحالم الضائعة في عالم اليوم ، مما يجعلنا نشعر ان المعرض ليس ببعيد عن تداعيات القلق واالختناق والدمار الداخلي، الذي يلف اإلنسان المعاصر المحاصر بأحاسيس القلق والتوتر والغربة واالضطراب واإلقتالع واالصطراع .