صالة واعدة وفنان كبير

د.محمود شاهين(أكاديميوفنانوي)ناقد سور
أقلعت في دمشق في الثالث من كانون األول (ديسمبر)2022، صالة جديدة للفن التشكيلي حملت أسمي دمشق) وذلك بمعرض مهم لفنان مهم وكبير هو (عز الدين شموط) ضم(غالير12لوحة منفذة بتقنية األلوان الزيتيّة، و8احل من تجربة الفنان الطويلةلوحات بتقانات الطباعة والحفر، عائدة لعدة مر ها ستينالتي تجاوز عمرعامامن الزمن.

ع فني وثقافي طموحمشرو الشكي دمشق) في هذه الظروف الصعبة التي تعيشها سوريّة، والمهامالدة (غاليربأن والتي تطمح يء، سيفعّل عملية استعادةلتحقيها، هي انجاز فني وثقافي كبير وجرة،الثقافة البصريّة السوريّة المعاصر لعافيتها وألقها الذي خبا، نتيجة األحداث المأساويّة التي مرت بالبالد خالل العقد الماضي، السيّما وأن ة هذا االقائمين على إدارع الثقافي الجديد، لديهم ما هو أبعد من تقديم العمل الفني وتسويقه، كمالمشرو درجت عليه صاالت العرضىاألخري) إلى. فهم يطمحون لتحويل (الغالير ّمنشأة فنيةثقافيّة، تجتهد في البحث عن الجديد المتميزمن ضروب وألوان الفن التشكيلي المختلفة، والقيام في الوقت نفسه، اك ما عجزت عنه حتى اآلن، الجهاتباستدرالمعنيّةبهذا اللون من الثقافة البصريّة، الرسميّةوالخاصة، وهو التوثيق العلمي الدقيق والصحيحة، التي غا، للحركة التشكيليّة السوريّة المعاصرها روادها، دوندر استفادة تُذكر، من ذاكرتهم البصريّة والمعرفيّة والتاريخيّة،الدة هذه الحركة،حول جوانب وحيثيات، و والظروف التي مرت بها. لهذاسي) بالبحث عنتقوم (الغاليركل ما يساعدها في انجاز هذه المهمة الثقافيّة والوطنيّة الهامة والنبيلة، بالشكل األمثل.ةاالنطالقة المُبشر ي الكبير (عز الدين شموط) لتكون بداية انطالقهاي دمشق) تجربة الفنان السورتحديد (غالير، لها غبة الصادقة إلدارتها، في البحث عن المتميزالكثير من الدالالت، تتقدمها الروالالفت والمفيد، من إبداعات الفنانين التشكيليين السوريين، وتقديمها للمتلقي المحلي والعربي والعالمي، ليس بهدف النهوض بالذائقة البصريّة الجماليّةفحسب، وإنما تقديم الفن التشكيلي اي الحديث والمعاصر،لسورضمن اإلطارالصحيحوالسليم، والتعريف به وبمبدعيه، بالشكل األمثل. علىهذا األساسي دمشق) على أن تكون انطالقتها بالتعريف بالفنان التشكيلي، حرصت (غالير ائدي الرالسورالدكتورعز الدينشموط،التي تُشكّل تجربته الفنيّة المتعددة اإلبداعات، الرفيعة المستوى، ة ورصينة. فهية، مع تجارب عالميّة كبيرة في التشكيل العربي المعاصر، بل وتقف بجدارعالمة بارز تحمل عمق التفاعل الخالق بين النص المبصور والنص المكتوب، وتُجسّر بينهما بقوة وانسجام وتكامل. فإلى جانبانتاجه العملياساتالوافر والمتميز أسلوبا وتقنية، وضع العديد من األبحاث والدرفي علوم الفن التشكيلي وفلسفاته، أثار فيها جملة من الهواجس واإلشكاالت المتعلقة بهذا الفن،أخذت غالبيتها طريقها إلى كتب مطبوعة. فنان وباحث ولد الفنان شموط في دمشق عام1940. درس الفن في دمشق وباريس التي يُقيم ويعمل فيها منذ اهسنوات طويلة. حصل على درجة دكتوردولةبالفنون من جامعة السوربونة المطبوعة. أنتج المحفور واللوحة المتعددة التقانات اللونيّة، وبأساليب مختلفة، ظلت تتحرك ضمن الضفاف الواسعة للواقعيّة التي  وصل بها أحيانا، إلى ما فوق الواقعيّة، أو ما يمكن تسميته بالواقعيّة السحريّةغم تواصله العميق مع. رخ (ه التي كونته، وهذا ما عبّر عنه بدقة المؤرات الفن العالمي، ظل مرتبطا بجذورازتوجهات وافرانسوافر جاكوميني) بقوله: دمشق.. هذه المدينة، هذه الحقيقة،يعود إليها عز الدين شموط، بذكرياتالطفولة، ة الهدبا) وة (باب توما) و (جوزوبتجربته كفنان يعيش في أوروبا، يُعيد على قماش اللوحة تكوين حار (باب السالم). يُحيك واجهات البيوت باألطناب الخشبيّة و (موتيفات) السجاد الهندسيّةة، ويجدل مر ة للطرقات الممشوقة، والثانية، نتف (البزوريّة) المعطردكاكين الملوّنة، وبشكل متين يُعيد إحياء التقليد القديم للترصيع والرقش الدمشقي، ويرمم لناات المقببضوء الممره. هذه اإلضاءةالمسرحيّة النحيلة، العذبة، مع النظام الثابت لداخل البيت الدمشقي، حيث الظل الخفيفيُغلفة، دنا منهااألقمشة المطرز الفنان برؤية كالسيكيّة للضوء.

ركائز وضوابط
ةتحرس تجربة الفنان شموط جملة من الركائز والضوابط المستقاة من تاريخ الفن الطويل ومنها ضرور تالزم الشكل والمضمون، فاللوحةأيهبرة على خطوط وأشكال وألوانليست مقتصرابطة ومنسجمة،متر وإنما هي أيضا نظام وترتيب وبناء يؤدي إلىمضمون ومعنى.إن عالقة الشكل بالشكلتبقى غامضة إذا لم ترمز إلى شيء ما يبرر وجوده فوق سطح العمل الفني الذي يجب أن يُحقن بالخيال، ذلك أن مهمة الفنان أن يُغذي الواقعبأحالمه ليجعل الحياة أكثرعذوبة، وليُوسّع حدود الواقع، كما أن الواقع هبدوريُوسّع حدود الخيال.

الحفّار والمصوّر
ج الفنان شموط فية المطبوعة إلى عالم اللوحة، مزفي المرحلة التي أعقبت خروجه من عالم المحفور ه الفنيمنجزبين خائص وتقانات الفنين معا، وقد برر ذلك بأن الفنين كانا في األساس مرتبطين ببعضهما البعض، منذ رسوم اإلنسان البدائي، ثم انفصال نتيجة تطور أدوات التعبير الفني. من جانبآخر، قدم الفنان شموط نفسه في أعماله كافة، مبدعا وحرفيا، وفي الوقت نفسه، حرص على إعالن انتمائه الصادقه بوعي كامل، وقام بنقللوطنه وللشرق عموما. الشرق الذي اختاره، موفقاه إلى منجز ة التقانيّه األوروبيّة والمضمون الشرقي.بذلك بين الخبر ماهيّة الفن وإشكاالتهّ اسات النظريفي الجانب اآلخر، أنجز الفنان شموط مجموعة من األبحاث والدرةالمواكبة لتجربته العمليّة، عرّف من خاللها بماهية الفنون التشكيليّة وتاريخها، وحلل أبرز إشكاالتها، وقد أخذت هذه األبحاثطريقها إلى مجموعة كتب مطبوعة منها: قيمة العمل التشكيلي بين المال والجمال1991، تعريف بفن الحفروالطباعة1992، لغة الفن التشكيلي (علم اإلات البصريّة)شار1993، نقد الفن التجريدي1998،اهنة)أزمة الفن التشكيلي (واقع الفن المعاصر في الغرب وأزمته الر2000، النقد في الفن التشكيلي2004.

أزمة الفن التشكيلي
ى شموط أن فن الحداثة وما بعد الحداثةيرأو الفن الطليعيار ممل لفن، لم يقدم لنا سوى تكر(الدادا) الذي ظهر في بداية القرن العشرينكفن معادي للمجتمع الصناعي واالستهالكي،وتحوّل إلى طقوس رخيصة وظالميّة. في البدء ناضل الفن الطليعيمن أجل فن ٍ للجميع، فانتهى إلى فن (النخبة) الخاصةياد الوصول إلى فن يسارجدا. لقد أرفوصل إلى فن متخلف ومتطرف، ومن فني معاديثور للمؤسسات الثقافيّةإلى فن رسمي، ومن فن يرفض الكالسيكيّة والواقعيّة إلى فن أصولي، يريد العودة افضة للفن والتكنولوجيا.إلى حياة بدائيّة رلقد أصبح الفن الطليعيديانة كاذبة، يدعو لها زنادقة،  وتمُارس طقوسها في معارض وهميّة، وتُقام في متاحف ملوثة بتجاة الفن المعاصر، تبارركها مؤسسات اطيّة، ويكمها ذوق (مفبرك) من قبل نقد  فني فاسد.غير ديموقرلقد أصبح الفنان الطليعي أكبر بكثير ا على فعل كل شيء ما عدامن عمله الفني، ولم يعد ممكنا تحديد مفهوم الفن والفنان الذي أصبح قادر الفن!

نقد الفن التجريدي
يؤكدالفنان شموط أنه في نقده للفن التجريدي، ال يدعو إلى شن حرب على هذا الفن، وإنما يريد ي هذا الفن، لكل أشكال الفناء واإلهمال الذي وصل إليه بعض منظرج من الشعور باالزدرالخرو غم ادعائهم بالتمرد على التقاليد. لقد تالتشكيلي، رحوّل الفن التجريدي إلى فن ٍ رسمي يمارس ديكتاتوريتهافضا كل عمل يمت إلى الواقع بصلة.في المعارض والبيناليات، وحتى في المعاهد والجامعات، رغة بجمل أدبيّة معقدة، غير مفهومة،لقد أصبح التجريد فنا محافظا متخلفا، يحاول تغليف نظرياته الفار وباإلكثار من الكتب والمقاالت الدعائيّة، وعقد الندوات الموازيةغلبيناليات فارةهامن كل محتوى، هجر ها قديمة، سبق تداولها منذ مئات السنيين، في أطروحات جديدة، مُؤطرالجمهور، تُقدم لنا أفكار ال فك طالسمه، مُتسبمصطلحات غامضة، وإذا وقف المتلقي أمام العمل الفني التجريدي محاوائال: ماذا يُريد الفنان قوله في هذا العمل. وإذا مه، وجدها أكثر غموضاا استنجد بالكتب والمقاالت التي تُفسّر من العمل نفسه!

النقد في الفن التشكيلي
ي. األولىّع بين مقولتين، الخالف بينهما أساسي وجوهرى الفنان شموط أن النقد الفني التشكيلي توزير ا واضحة (مُضاءة)، مانطلقت من الفنان العارف الواعي، الذي يُنتج صورها الجمالعيارالطبيعي، ة لألشياءويستعين بالرؤية المباشره الواقعيّة والمُتخيَلة، منطلقا من اعتقاده أن التأمل، لبناء صوري،  هما وسيلتان لمعرفة بدائع الحياة والتعبير عنها، وأن التجربة البصريّة، والتطبيقواالحساس البصر العملي لها، هو الطريق المؤدي إلىالفكر  والمعرفةوالنقد، وليس العكس. لقد ربطت هذه المقولة ي، واتخذت من ذلك شرطا ضروريا للنقد الفني. أي يتم التأكد من صحةاإلنتاج الفني بالتأمل  البصر ّ ة الحرفي المُقَلة النقديّة بالمقارنة مع الممارسة العمليّة للفن. أما المقولة الثانية فقد انطلقت من فكرالفكرد، الذي يستمد مواضيعه من الفكر  الديني والفلسفي واألدبي. لقد غلب على هذهالمقولة النقديّة طابع الفكر التجريدي، فاختارت طريق الفقه والروحانيات واألدبكمنهج نقدي بالفن، لكن الفكر  التجريدي هذا يختلف بأهدافهاضه عن عمل الفنان. من عيوب هذا االتجاه الرئيسة، أنوأغره اعتبر الفكر المجرد أي مفكريه، مجرد نشاط يدوي عمليفي األدب والفلسفة والروحانيات، متفوقا على الفن الذي هو بر تجريبي هامشي!

Share